هناك في نهاية الكردور الجناح الخامس الغرفه رقم 5 ينام المريض الذي أصبح جميع من في المستشفى يعرفه بمريض غرفة 5؛ شاب في مقتبل العمر تميز بجمال فائق مضى عليه أكثر من ثلاثة أشهر وهو فاقد الوعي إثر حادث تصادم أليم، ثلاثة أشهر عجز الأطباء جميعهم عن معالجته فتوقف كل شئ بإستثناء أدوية التغذية التي يأخذها عبر أنابيب موصولة إلى جسده، عجز العقل البشري وجفت الأقلام فاستسلم الجميع بإنتظار معجزة إلاهيه أو نهاية حتمية، كان الأهل والأصدقاء وعلى رأسهم والديه يزورونه يوميا يقفون على رأسه حائرين عاجزين لا يملكون إلا الدعاء وقراءة القرآن.
أمه المسكينه كانت تضع يدها على رأسه الجميل وجبهته البيضاء وتستمر بالدعاء لمدة تزيد على ساعات الزيارة التي يسمحون لها بها، وعندما تعود إلى المنزل تحمل معها كل همومها وتستمر في الدعاء وقراءة القرآن لعل الله يجعل لولدها من مرضه مخرجا، وكلما رأت صورة إبنها الجميل الذي يعشقه الجميع لجماله وحيويته زاد ألمها، وتعمق حزنها وتفطر قلبها، تتسائل كيف يحدث ذلك؟! ولماذا لأبني؟!؛ ثم تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وترضى بقدر الله وتسأله اللطف والرحمة.
في ذلك اليوم وكالمعتاد ومن أول لحظة يفتح فيها باب الزياره تتوجه مسرعة نحو غرفه 5 نهاية الكردور لتجلس مع إبنها، تدخل الغرفه متلهفه خائفه وتنظر بحزن إلى وجهه الجميل وهو مستلقي على سريره الأبيض دون حراك، تضع كرسيها بجانب سريره تفتح مصحفها بيد وتمد يدها الأخرى لتضعها على رأسه حتى تشعر بالتواصل معه، لحظات وإذا بباب الغرفة يُفتح وبرئيس فريق الأطباء يدخل عليها!!؛ يجلس بجانبها عند سرير الإبن ويبدأ الحديث: والدتي العزيزه لقد فعلنا كل شئ لإبنك ولم يعد الأمر بيد الأطباء، لم يعد هناك مجال لإعطائه أي دواء فهو الآن تحت رحمة الله، تسمع هذه الكلمات تنزل عليها كالصاعقة وتثور نفسها كالبركان تتحدث بصوت يخلطه البكاء والرجاء أيها الطبيب لابد من عمل شيء، لابد من استشارة أطباء عالميين فالدولة ليست عاجزه، وأنا مستعده أن أبيع كل ما أملك من أجل أغلا ما أملك، هذا الحوار المؤلم يدور بين الطبيب وأم حزينه أمام إبن طريح الفراش يعتقد الجميع أنه لا يشعر بما يدور حوله!.
نعم كان الإبن طوال هذه الأشهر فاقداً لكل الحواس والإحساس فلا يشعر بشئ مما يدور حوله، ولكنه في هذا اليوم في هذه اللحظات كان يشعر بهم من غير أن يشعرون به، ويسمع ما يقال دون أن يستطيع أن يتحرك أو يشعرهم بوجوده، لقد سمع كلام الطبيب وعرف مصيره المحتوم وشعر بمعاناة أمه؛
فعادت به الذاكرة إلى أيام قد خلت، عادت به الذاكره عندما كان طفلاً صغيراً جميلاً محبوباً من والديه وجميع أهله وكل من عرفه؛ عادت به الذاكره الى المدرسة مع الأصدقاء والمدرسين فقد كانت أيام جميله فيها اللعب والدراسة والشقاوه.
مر من أمامه شريط طويل من الذكريات بعضها جميل وبعضها مؤلم، بعضها مفرح وبعضها محزن، بعضها يفتخر به وبعضها يخجل منه.
توقف عند علاقته بوالديه كيف كانا معه؟!، وكيف كان معهم؟! لم يكن عاصيا، ولكنه كذلك لم يكن إبناً باراً، توقف كثيراً عند اللحظات التي خالف أمرهما وتمرد على طلباتهما وتأفف من إلحاحهما، آهات الألم تعتصر قلبه فلا يستطيع أن يخرجها.
أخذ يردد في نفسه يا ليتني أستطيع أن أسترجع تلك اللحظات فلا أعصي لهما أمرا، يا ليتني أستطيع أن أُعيد شريط الحياة فأمسح منه كل إسائة وألم وتعب سببته للآخرين: يا ليتها تعود تلك اللحظات لأكثر من عمل الصالحات.
الآن وبعد فوات الأوان عرفت قيمة الوقت وأن ما يمضي لا يعود، كانت لي أكثر من فرصة لأصحح مساري ولكنني ضيعتها!.
رب ارجعون ولو للحظات لعلي أستطيع أن أقبل يد أمي ورأس أبي، لعلي أتمكن من طلب السماح والمغفره منهما، ليت الله يعيد لي الصحة ولو للحظه لأقول لهما أحبكما وآسف لأي إيذاء سببته لكما أمي أبي سامحاني؛
رب إن كانت الصحة بعيدة المنال أرجو أن أستطيع تحريك يدي لألمس أيديهما لكي أعبر لهما عن شكري وأسفي، فقد ربياني صغيرا ورعاني كبيرا وتألما لمرضي وعانيا كثيراً من أجلي فلا تحرمني من هذه اللحظات يا رب.
كان يسمع كل شئ ويشعر بالألم والخوف من أن يموت دون أن يقول لهما مايريد ودون أن ينال رضاهما، عجز اللسان عن الحديث وعجزت الأطراف عن الحركة!.
تجمعت كل قواه فلم تستطيع أن تحرك إلا دموع العين، تحركت قطرات من الدموع لتنساب من عينيه وتمر على خده وتنزل على رقبته لتستقر على وسادته البيضاء، في هذه اللحظات نظرت أمه إليه فوجدت وسادته مبلله بالماء وتابعت مجرى الماء فإذا بها دمعة إبنها حبيبها، كادت أن تطير من الفرحة أخذته بين يديها وضمته إلى صدرها، إبني حبيبي وأخذت تمسح دموعه وتقبله في كل أنحاء وجهه، وبفراسة الأم وعاطفتها التي لا تخطأ عرفت أسباب الدموع ودون تردد أخذت تقول له؛ بُني المهم أن تفيق من المرض لتعود لك الصحه وتعود لحضن أمك وتعود لأحبابك، وكل أمر بعد ذلك يهون!.
فهل كانت هذه الدموع استجابة من الله لطلبه وإلحاحه للتوبة والمغفرة وعلامة للرضى والقبول؟؛
وهل ستكون هذه الدموع نهاية لحياة جميله؟؛
أم بداية لحياة أجمل؟.
المحامي / احمد عبد المحسن تركي
المليفي
6/9/2014
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق